الوعي و الادراك

كتب بواسطة: Super User
الزيارات: 1519

يقول إيكارت تولي: معظم الناس غير واعين أنَّ هناك شخصاً صغيراً موجوداً في دماغهم يتكلم باستمرار طوال اليوم.. معظم الناس يستمدون هويتهم وإحساسهم بأنفسهم من ذلك الصوت الذي يثرثر في دماغهم.. وفي معظم الأحيان يكون ذلك الصوت حزيناً ويُوَلِّد كمية كبيرة من التعاسة لصاحبه! هذا الإزعاج العقلي هو أكبر عائق يمنعك من الوصول إلى حالة السلام النفسي! يقول إيكارت: اسأل نفسك هذا السؤال: "هل تستطيع التحرُّر من سيطرة عقلك عندما تريد؟ هل وجدتَ زر الإيقاف؟".

فإذا كنتَ لا تستطيع التوقف عن التفكير فهذا يعني أنَّ عقلك هو الذي يتحكم فيك.. وأنك مُستَعبَد لعقلك من غير أن تدري! بداية الاستيقاظ الروحاني والحرية هي أن تدرك أنك لستَ العقل المفكر.. وإنما أنت الوعي المراقب لذلك العقل.. أنت أعمق وأسمى من ذلك العقل.. وحينذاك ستكتشف أنَّ هناك مكاناً أسمى من العقل تنبع منه كل الأشياء المهمة حقاً مثل الجمال والحب والإبداع والمتعة والسلام الداخلي! ويحكي إيكارت قصة استيقاظه الروحاني قائلاً: عندما كنتُ في بواكير شبابي كنتُ أشعر بالاكتئاب والقلق والخوف وعدم الرغبة في الحياة..

وذات ليلة وأنا في التاسعة والعشرين من عمري نهضتُ من نومي في منتصف الليل وأنا في حالة ضيق شديد.. وراودتني فكرة قوية في دماغي تقول: "أنا لا أستطيع أن أعيش مع نفسي أكثر من هذا.. أنا لا أستطيع أن أعيش مع نفسي أكثر من هذا!".. ثم فجأة بدأتُ أنظر إلى تلك الفكرة: "أنا لا أستطيع أن أعيش مع نفسي أكثر من هذا!".. هل أنا شخص واحد أم شخصين؟! فهذه الفكرة تشير إلى وجود شخصين، هما: (أنا) و(نفسي) التي لا أستطيع أن أعيش معها! وفي اليوم التالي نهضتُ من نومي في الصباح الباكر ونظرتُ حولي في الغرفة وبدا لي أنَّ كل شيء أراه كما لو أنني أراه للمرة الأولى في حياتي.. كل شيء يبدو جديداً مُفعَمَاً بالسلام والحيوية.. الضوء الداخل إلى الغرفة من خلال النافذة.. الأواني والأدوات التي في الطاولة.. كل شيء مفعم بالحيوية.. وفي ذلك الصباح خرجتُ في جولة في الشوارع ورأيتُ كل شيء مفعم بالحياة والسلام.. حتى زحمة المرور رأيتها مُفعَمة بالسلام! وبعد فترة طويلة أدركتُ أنَّ التحوُّل الذي حَدَثَ لي في تلك الليلة كان ناجماً عن انفصال (الوعي المراقب) عن (الأفكار).. حدث هذا التحوُّل عندما اكتشفتُ أنني لستُ عقلي..

أنا لستُ الأفكار التي تدور في عقلي.. بل أنا الوعي المراقب لتلك الأفكار! والسؤال الآن هو: كيف توقف تدفق هذه الأفكار القهرية المتواصلة في دماغك؟! كيف توقف هذه الأسطوانات الصوتية التي ربما ظلت تتكرر في دماغك سنوات طويلة؟! فهذا الصوت يكون لدى بعض الناس عدوهم اللدود الذي يهاجمهم ويعذبهم باستمرار ويستنزف كمية كبيرة من طاقتهم ويسبب لهم التعاسة والشقاء والأمراض! يقول إيكارت: أهم شيء للتحرُّر من هذا الصوت هو أن تراقب أفكارك..

أن تستمع إلى هذا الصوت الذي يثرثر في دماغك بقدر ما تستطيع.. كن واعياً ومنتبهاً لأيِّ نمط متكرر من التفكير يتكرر في دماغك.. هذا ما أعنيه بأن تراقب العقل المفكر.. كن أنت الوعي المراقب للأفكار.. وكن الحضور الشاهد على تلك الأفكار.. استمع من غير أن تصدر أحكام أو تدين ذلك الصوت.. وستلاحظ بسرعة أنَّ هناك انفصالاً حدث بينك وبين ذلك الصوت الذي يدور في دماغك.. ستلاحظ أنَّ هناك شخصين هما: (أنت) و(الصوت).. وأنك أنت (الوعي المراقب) ولستَ (الصوت).. حينذاك ستصير واعياً ليس فقط بالصوت الذي يدور في دماغك، وإنما بنفسك باعتبارك الوعي المراقب والحضور الشاهد على الأفكار التي تدور في عقلك..

هذا الوعي الذي تسلطه على الأفكار يجعل الأفكار تفقد قواها وتتلاشى بسرعة.. هذه هي بداية التحرر من التفكير القهري المتواصل! ويمكنك أيضاً أن توقف تدفق الأفكار في دماغك من خلال تركيز انتباهك على اللحظة الحالية.. فقط كن واعياً تماماً باللحظة الحالية.. في هذه الحالة ستكون قد سحبت الوعي والانتباه من الأفكار المتواصلة في عقلك وأوقفت عقلك عن التفكير.. ستصير واعياً ومنتبهاً من غير أن تفكر.. وهذا هو جوهر التأمل! ايكارت تول

أضف تعليق


كود امني
تحديث